فخر الدين الرازي
252
تفسير الرازي
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ * فَقَالُواْ رَبَّنَا باعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فجعلناهُمْ أَحَادِيثَ ومزقناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ " 19 " في النعمة لكن قوله تعالى : * ( ذلك جزيناهم ) * يدل على أن الجزاء يستعمل في النقمة ، ولعل من قال ذلك أخذه من أن المجازاة مفاعلة وهي في أكثر الأمر تكون بين اثنين ، يأخذ من كل واحد جزاء في حق الآخر . وفي النعمة لا تكون مجازاة لأن الله تعالى مبتدئ بالنعم . ثم قال تعالى ( وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة : وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين ، فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) . أي بينهم وبين الشام فإنها هي البقعة المباركة . وقرى ظاهرة أي يظهر بعضها لبعضها يرى سواد القرية من القرية الأخرى ، فإن قال قائل : هذا من النعم والله تعالى قد شرع في بيان تبديل نعمهم قوله : * ( وبدلناهم بجنتيهم جنتين ) * فكيف عاد مرة أخرى إلى بيان النعمة بعد النقمة ؟ فنقول ذكر حال نفس بلدهم وبين تبديل ذلك بالخمط والأثل ، ثم ذكر حال خارج بلدهم وذكر عمارتها بكثرة القرى ، ثم ذكر تبديله ذلك بالمفاوز والبيادي والبراري بقوله : * ( ربنا باعد بين أسفارنا ) * وقد فعل ذلك ، ويدل عليه قراءة من قرأ ربنا بعد على المبتدأ والخبر ، وقوله : * ( وقدرنا فيها السير ) * الأماكن المعمورة تكون منازلها معلومة مقدرة لا تتجاوز ، فلما كان بين كل قرية مسيرة نصف نهار ، وكانوا يغدون إلى قرية ويروحون إلى أخرى ما أمكن في العرف تجاوزها ، فهو المراد بالتقدير والمفاوز لا يتقدر السير فيها بل يسير السائر فيها بقدر الطاقة جاداً حتى يقطعها ، وقوله : * ( سيروا فيها ليالي وأياماً ) * أي كان بينهم ليال وأيام معلومة ، وقوله : * ( آمنين ) * إشارة إلى كثرة العمارة ، فإن خوف قطاع الطريق والانقطاع عن الرقيق لا يكون في مثل هذه الأماكن ، وقيل بأن معنى قوله * ( ليالي وأياماً ) * تسيرون فيه إن شئتم ليالي وإن شئتم أياماً لعدم الخوف بخلاف المواضع المخوفة فإن بعضها يسلك ليلاً ، لئلا يعلم العدو بسيرهم ، وبعضها يسلك نهاراً لئلا يقصدهم العدو ، إذا كان العدو غير مجاهر بالقصد والعداوة ، وقوله تعالى : * ( قالوا ربنا باعد بين أسفارنا ) * قيل بأنهم طلبوا ذلك وهو يحتمل وجهين أحدهما : أن يسألوا بطراً كما طلبت اليهود الثوم والبصل ، ويحتمل أن يكون ذلك لفساد اعتقادهم وشدة اعتمادهم على أن ذلك لا يقدر كما يقول القائل لغيره إضربني إشارة إلى أنه لا يقدر عليه . ويمكن أن يقال : * ( قالوا ربنا بعد ) * بلسان الحال ، أي لما كفروا فقد طلبوا أن يبعد